الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

253

نفحات القرآن

فأمّا الذين عدّوها عربية الأصل فقد قالوا : إنّها مأخوذة من مصدر « الفَرْدَسة » وهو بمعنى السعة واستعملت هذه الكلمة التي وردت في القرآن مرّتين فقط ( في سورة الكهف / 107 وسورة المؤمنون / 11 ) بمعنى الجنّة ، ويُستشف من الروايات المنقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام أنّ هذا الاسم يختص ببقعة ممتازة جدّاً من الجنّة . جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إذا سألتم اللَّه تعالى فاسألوه الفردوس ، فانّه وسط الجنّة وأعلا الجنّة وفوقه عرش الرحمن ، ومنها تفجر أنهار الجنّة » « 1 » . ونقل عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال : « لكل شيء ذروة وذروة الجنّة الفردوس وهي لمحمد وآل محمد » « 2 » . وأخيراً ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال في تفسير الآية ؛ إنّها نزلت بحقّ أبي ذر وسلمان والمقداد وعمار بن ياسر وهي : « جَعل اللَّه لهم جنّات الفردوس نُزلًا » أيمأوى ومنزلًا « 3 » . ومن الواضح عدم وجود أي تضاد بين الحديث الثاني والثالث ، لأنّ المؤمنين من أصحاب الدرجات الرفيعة من أمثال أبي ذر وسلمان والمقداد وعمّار وهم التابعون المخلصون لمحمد وآل محمد عليهم السلام يعدّون في الحقيقة من زمرتهم . ولكن ما معنى « نزلًا » هنا ؟ اعتبرها البعض بمعنى دار النزول ومحل السكن كما أشار إلى هذا حديث الإمام الصادق عليه السلام . وقال بعض المفسرين : إنّ النزل يعني وسائل الاستقبال أو اوّل ما يستقبل به الضيف ، ولامانع أيضاً من جمع هذين المعنيين . التعبير الآخر الذي ورد في وصف حدائق الجنّة هو ما جاء في سورة الواقعة « جنات النعيم » إذ يقول تعالى في كتابه الكريم : « وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * اولَئِكَ المُقَرَّبُونَ * فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ » .

--> ( 1 ) . صحيح البخاري ؛ وصحيح مسلم ( نقلًا عن كتاب روح المعاني ، ج 16 ، ص 47 ) . ( 2 ) . تفسير البرهان ، ج 2 ، ص 495 ، ح 2 . ( 3 ) . استناداً إلى ما نقله تفسير الميزان عن تفسير القمي ، ذيل الآية مورد البحث .